الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

439

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) في تفسير وعملوا الصالحات بأنه المواساة والمساواة للأخوة في الله ، إنما هو من قبيل بيان المصداق الواضح للآية . قد تصدر الأعمال الصالحة من أفراد غير مؤمنين ، لكنها غير متجذرة وغير ثابتة وغير واسعة . لأنها لا تنطلق من دافع إلهي عميق ، ولا تحمل صفة الشمولية . القرآن ذكر " الصالحات " هنا بصيغة الجمع مقرونة بالألف واللام لتدل على معنى العموم والشمول . ولتبين أن طريق تفادي الخسران الطبيعي الحتمي بعد الإيمان ، هو أداء الأعمال الصالحة جميعا ، وعدم الاكتفاء بعمل واحد أو بضع أعمال صالحات . حقا ، لو رسخ الإيمان في النفس ، لظهرت على الفرد مثل هذه الآثار . الإيمان ليس فكرة جامدة قابعة في زوايا الذهن ، وليس اعتقادا خاليا من التأثير . الإيمان يصوغ كل وجود الإنسان وفق منهج معين . الإيمان مثل مصباح منير مضئ في غرفة . فهو لا يضئ الغرفة فحسب ، بل إن أشعته تسطع من كل نوافذ الغرفة إلى الخارج بحيث يرى كل مار نوره بوضوح . وهكذا ، حين يسطع مصباح الإيمان في قلب إنسان ، فإن نوره ينعكس من لسان الإنسان وعينه وأذنه ويديه ورجليه . حركات كل واحدة من هذه الجوارح تشهد على وجود نور في القلب تسطع أشعته إلى الخارج . ومن هنا اقترن ذكر الصالح في أغلب مواضع القرآن بذكر الإيمان باعتبارها لازما وملزوما . فقال سبحانه : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ( 1 ) . ويقول تعالى عن أولئك الذين تركوا الدنيا دون عمل صالح ، إنهم يصرون على العودة إلى الدنيا ويقولون : رب ارجعون لعلي أعمل

--> 1 - النحل ، الآية 97 .